فصل: تفسير الآيات (51- 52):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير الإشاري:

قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: للآية تأويلان:
أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس. أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء {يكاد زيتها} وهو عالم الأرواح {يضيء} أي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة {ولو لم تمسسه نار} ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود {نور على نور} فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله.
{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وفي قوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولًا في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نورًا على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال {واشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] وهو مقام «كنت له سمعًا وبصرًا» الحديث: {في بيوت} هي القلوب {أذن الله} أمر واراد {أن ترفع} درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال «وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام: فرغ لي بيتًا اسكن فيه فقال: رب أنت منزه عن البيوت. فقال: فرغ لي قلبك. ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال {ويذكر فيها اسمه} {لا تلهيهم تجارة} هي الفوز بدرجات الجنات كما قال {هل أدلكم على تجارة تنجيكم} [الصف: 10] {ولا بيع} هو بيع الدنيا بالجنة كقوله: {إن الله اشترى} [التوبة: 111] إلى قوله: {فاستبشروا ببيعكم} [التوبة: 111] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال {يخافون يومًا} هو يوم الفراق {تتقلب فيه القلوب والأبصار} والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء {أو كظلمات في بحر لجي} هو حب الدنيا {يغشاه موج} الرياء {من فوقه موج} هو حب الجاه وطلب الرياسة {من فوقه سحاب} الشرك الخفي {إذا أخرج} يد سعيه واجتهاده {لم يكد يراها} يرى طريق خلاصة {ومن لم يجعل الله له نورًا} أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل {يزجى} سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو مطر التوبة {يخرج من خلاله} كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ينزل من سماء القلب {من جبال} من قساوة {فيها من برد} هو برد القهر {يقلب الله} ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب {والله خلق} كل ذي روح {من ماء} هو روح محمد صلى الله عليه وسلم كما قال: «أول ما خلق الله روحي» {فمنهم من يمشي} أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه {ومنهم من يمشي على رجلين} أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع {ومنهم من يمشي على أربع} هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة {أفي قلوبهم مرض} انحراف في الفطرة {أم ارتابوا} بتشكيك أهل البدع والأهواء {أم يخافون} الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية {وإليه المآب}. اهـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآيات (51- 52):

قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما نفى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به، كان كأنه سئل عن حال المؤمنين فقال: {إنما كان} أي دائمًا {قول المؤمنين} أي العريقين في ذلك الوصف، وأطبق العشرة على نصب القول ليكون اسم كان أوغل الاسمين في التعريف، وهو {أن} وصلتها لأنه لا سبيل عليه للتنكير، ولشبهه كما قال ابن جني في المحتسب بالمضمر من حيث إنه لا يجوز وصفه كما لا يجوز وصف المضمر، وقرأ على رضي الله عنه بخلاف وابن أبي إسحاق {قول} بارفع {إذا دعوا} أي من أي داع كان {إلى الله} أي ما أنزل الملك الذي لا كفوء له من أحكامه {ورسوله ليحكم} أي الله بما نصب من أحكامه أو الرسول صلى الله عليه وسلم بما يخاطبهم به من كلامه {بينهم} أي في حكومة من الحكومات لهم أو عليهم {أن يقولوا سمعنا} أي الدعاء {وأطعنا} أي بالإجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولما كان التقدير: فأولئك هم المؤمنون، عطف عليه قوله: {وأولئك} أي العالو الرتبة {هم} خاصة {المفلحون} الذين تقدم في أول المؤمنون وصفهم بأنهم يدركون جميع مأمولهم.
ولما رتب سبحانه الفلاح على هذا النوع الخاص من الطاعة، أتبعه عموم الطاعة فقال: {ومن يطع الله} أي الذي له الأمر كله {ورسوله} أي في الإذعان للقضاء وغيره فيما ساءه وسره من جميع الأعمال الظاهرة {ويخش الله} أي الذي له الجلال والإكرام، بقلبه لما مضى من ذنوبه ليحمله ذلك على كل خير، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا وقع أحد منهم في تقصير يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: طهرني، ويلقن أحدهم الرجوع فلا يرجع، وفي تطهيره الإتيان على نفسه، وقع ذلك لرجالهم ونسائهم رضي الله عنهم أجمعين وأحيانًا على منهاجهم وحشرنا في زمرتهم {ويتقه} أي الله فيما يستقبل بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ورعًا.
ولما أفرد الضمائر إشارة إلى قلة المطيع، جمع لئلا يظن أنه واحد فقال: {فأولئك} العالو الرتبة {هم الفائزون} بالملك الأبدي ولا فوز لغيرهم. اهـ.

.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{ويتقه} بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد. وأبو عمرو طريق الهاشمي. بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان. بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه تقه بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف. الباقون {ويتقهى} بالإشباع {فإن تولوا} بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح {كما استخلف} مجهولًا: أبو بكر وعمار {وليبدلنهم} خفيفًا: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو كبر وحماد {لا يحسبن} على الغيبة: ابن عامر وحمزة {ثلاث عورات} بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الآخرون بالرفع {لبعض شأنهم} بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام. {يرجعون} مبنيًا للفاعل: عباس ويعقوب.

.الوقوف:

{وأطعنا} ط {المفلحون} o {الفائزون} o {ليخرجن} ط {لا تقسموا} ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول {معروفة} ط {تعملون} o {الرسول} ج للشرط مع الفاء {ما حملتم} ط {تهتدوا} ط {المبين} o {من قبلهم} ص {أمنا} ط بناء على أن ما بعده مستأنف {شيئاً} ط {الفاسقون} o {ترحمون} ط {في الأرض} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول {النار} ط {المصير} o {مرات} ط أي متى كذا وكذا {العشاء} قف عند من قرأ {ثلاث عورات} بالرفع أي هو ثلاث {لكم} ط {بعدهن} ط أي هو طوافون {على بعض} ص {الآيات} ط {حكيم} o {من قبلهم} ط {آياته} ط {حكيم} o ط {بزينة} ط {لهن} ط {عليم} o {صديقكم} ط {أشتاتاً} ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم {طيبة} ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة {تعقلون} o {يستأذنوه} o {ورسوله} ط للشرط مع الفاء {لهم الله} ط {رحيم} o {بعضاً} ط {لو إذا} ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب {اليم} o {والأرض} ط {عليه} ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة {بما عملوا} o {عليم} o. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)}.
اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ الحسن {قَوْلَ المؤمنين} بالرفع، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسمًا لكان أوغلهما في التعريف و{أَن يَقُولُواْ} أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف {قَوْلَ المؤمنين}.
المسألة الثانية:
قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين} معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعًا وطاعة، ومعنى {سَمِعْنَا} أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب، ثم قال: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} أي فيما ساءه وسره {وَيَخْشَ الله} فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي {وَيَتَّقْهِ} فيما بقي من عمره {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون} وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه. اهـ.

.قال الجصاص:

وقَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}.
تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْحَكَمِ إذَا دُعُوا إلَيْهِ، وَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ دُعِيَ إلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ بِالْقَوْلِ بَدِيًّا بِأَنْ يَقُولَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ثُمَّ يَصِيرُ مَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ. اهـ.

.قال ابن عطية:

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
وقرأ الجمهور {قول} بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن أبي إسحاق {قول} بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط {كان} أن يكون اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون {إذا دعوا إلى} حكم {الله ورسوله} {سمعنا وأطعنا} فكأن هذه ليست إخبارًا عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعة ودينه، وقرأ الجمهور {ليَحكُم} على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس والحسن {ليُحكَم} على بناء الفعل للمفعول، و{المفلحون} البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم. اهـ.

.قال ابن عطية:

ثم نعت المؤمنين، فقال: {إِنما كان قولَ المؤمنين} قال الفراء: ليس هذا بخبرٍ ماضٍ، وإِنما المعنى: إِنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إِذا دعوا أن يقولوا سمعنا.
وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: {إِنما كان قولُ المؤمنين} بضم اللام.
وقرأ أبو جعفر، وعاصم الجحدري، وابن أبي ليلى: {ليُحكم بينهم} برفع الياء وفتح الكاف.
وقال المفسرون: والمعنى: سمعنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وإِن كان ذلك فيما يكرهونه.
قوله تعالى: {وَيخْشَ الله} أي: فيما مضى من ذنوبه {ويَتَّقْهِ} فيما بعدُ أن يعصيه.
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وورش عن نافع: {ويَتَّقْهي} موصولة بياء.
وروى قالون عن نافع: {ويَتَّقْهِ فأولئك} بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء.
وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: {ويَتَّقِهْ} جزمًا. اهـ.